15 مايو 2010

مـا هـو قـادم …

Nile

ما الذي لابد أن نخشاه ؟

يلاحظ الجميع – و أعني هنا ذوي الرؤوس السليمة - مدى التردي الذي تعيشه مصر الآن، في كل مناحِ الحياه، من أبسط الأشياء حتى أعقدها، إنقلاب المعايير، شرعنة الخطأ، و تجريم الصحيح …

و أرى الجميع يتحسرون على ما مضى، في حنينٍ إلى الماضي حيث كان المجتمع صحيحاً و عفيا، يرى طريقه جيداً، و يعرف كيف يسير فيه، و كيف يتخطى العقبات بطريقة صحيحة، بدون كسر أحد القواعد الثابتة، أو القوانين الصارمة.

لكن الماضي لم يكن مثاليا أبدا، كان الناس ساعتها أيضاً يتحسرون على "ماضيهم" الذي كان جميلا !

و للحق، فإن ماضينا – القريب - الذي نتحسر عليه كان بالفعل جميلاً و رائعاً أيضا، و لذلك أسبابٍ …، فقد كان بمصر كل مصادر الجذب و التنوع في محيطها الجغرافي، لها إشعاعٌ و تأثيرٌ ثقافي و ديني و تعليمي، و قوة عسكرية لها حساب، و فوق ذلك كله … الثقل السياسي الكبير.

۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞

"القوة الناعمة" أحد المصطلحات التي صكها الأستاذ هيكل، و كان يعني به القوة البشرية التي تملكها مصر، تلك القوة التي تؤثر بها لكسب المواقف لصالحها و لصالح محيطها.

لم تكتسب مصر تلك القوة فجأة، و لم تهبط عليها من السماء كالمطر، بل كانت تراكماً لسنواتٍ و عهودٍ و قرونٍ مرت عليها، ارتفاعات و انخفاضات، انتصارات و انكسارات، الرخاء و الشدة، هكذا كانت التجربة و البوتقة التي صهرت مكونات ساكني تلك البلاد على ضفاف النيل، و أنتجت التجربة الفريدة لمصر.

كانت مصر مركزاً مهماً من مراكز الحضارة الإنسانية – و ليست الوحيدة – منذ فجر التاريخ، ببداية الحكم المصري القديم، و مروراً بغزاة مصر القديمة من هكسوس و فرس و إغريق و رومان حتى الفتح الإسلامي على يد العرب، و صارت مصر درة من درر تاج الإسلام، إلى أن أصبحت درته الكبرى منذ القرن العاشر الميلادي، و حتى وقتٍ قريب.

موقع مصر الجغرافي الفريد أهَلَها لتكون مركزاً لجذب كل طامعٍ و طامح، للعلم، للجاه و الثروة … و للحكم.

۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞

في أوائل القرن التاسع عشر لملمت حملة نابليون الفاشلة على مصر أذيال خيبتها و رحلت، و جاء محمد علي و أسس اللبنة الأولى لدولة عصرية على أنقاض حكمٍ مملوكي محلي منهار، و خلافةٍ عثمانية تتداعى للسقوط، و كان التخلص ممن حملوه – ضد رغبة الخلافة – إلى عرش مصر، أولى خطواته، لكي لا يلقى معارضةً داخلية من الزعماء الشعبيين، فكان أن نفاهم إلى أقاصي البلاد – و قد فعل جمال عبد الناصر مثله تماماً بعد إنقلاب يوليو حينما استبعد الكفاءات و القيادات ( لا سيما في الجامعه ) التي ساعدت و ساندت إنقلابه و أعطته الشرعيه – و قام بتدبير مذبحة القلعة لرؤوس المماليك، ليخلو له الجو تماما.

طموح محمد على قابله استعداد المصريين و أهليتهم للنهوض، فنهض بهم و أسسوا الدولة التي لم تصمد طويلاً أمام الأطماع الإستعمارية، و التي امتدت من نجد شرقاً حتى برقه غرباً، و من منابع النيل جنوباً حتى الأناضول شمالا.

لم يكن من المعروف إن كان لمحمد على مشروعا لينفذه أم لا، هل كان توسعاً لغرض التوسع فقط، أم لتكوين إمبراطورية تضاهي إمبراطوريات ذلك الزمان؟

لذا فعندما فرضت عليه القوى الإستعمارية الأوروبية قيداً يحد من حركته داخل مصر فقط، لم يقاوم كثيرا، و اهتم بالتنمية الداخلية للبلاد، و زاد من تأسيس المدارس و ابتعاث النابغين، و بالتالي ارتفعت البلاد برفعة أبنائها.

ظهرت نتائج تلك النهضة في عصور من تلوه ممن حكموا مصر، و زادت وتيرة تلك النهضة في عصر الخديو إسماعيل، باني القاهرة الحديثة، فظهرت الحركات الإصلاحية و الجرائد و المجلات و الجمعيات و انتشر الوعي بطول البلاد و عرضها، إلى أن وقعت مصر تحت إحتلال بريطانيا بخيانة أحد حكامها – الخديو توفيق – الذي احتمى بالبريطانيين و أوقع البلاد في أسر من لا يحبون لنا خيراً أو تقدما.

أوقف الإحتلال كل مظاهر التقدم و التعلم، و وضع قواته الثقافية و العسكرية لتغريب البلاد و نزع جذورها الدينية و اللغوية و الثقافية، و أوقف التعليم الأساسي باللغة العربية و قصره على الإنجليزية وحدها، … لكن لأن البلاد كانت ذات مناعة ثقافية عفية و لم تكن بالضرورة كاملة، كان من تعلموا في العصور السابقة على أهبة الإستعداد لكي يذودوا عمّا تأسسوا عليه و عرفوا أنه الحق، لأنهم تعلموا العلم كما يجب أن يكون، و كانت هناك جولات و صولات كان النصر فيها إما إلى فريق الإحتلال الذي وجد له أنصارا بين أهل البلاد، و إما إلى الوطنيين.

۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞

لم يكن أنصار الإحتلال إلا أبناءً لهذه الأرض، لكن عقولهم أضحت فريسةً لتغريبٍ تدريجي و طويل المدى، و في نفس الوقت نتيجةً لتصلب البعض من رواد النهضة في ذلك القرن، مما دفع أولئك الأنصار لإتخاذ النموذج الغربي المرن نمطاً يُحتَذَى به في كل مجالات الحياة و نبذ كل ما هو إسلامي أو عربي أو شرقي، لأنه – حسب دعواهم – يجرنا إلى الخلف، في حين أن الآخر يدعوك إلى التقدم !

عندما طالب الخديو إسماعيل، رائد التنوير رفاعه رافع الطهطاوي بعصرنة قوانين الشريعة و وضعها في قوالب مفهومة و سهلة التناول – و هذا ما فعله الفقيه الخامس عبد الرزاق السنهوري باشا بعد ذلك بقرن تقريبا – لأن الأجانب من المحامين يجدون صعوبةً في معرفة القواعد القانونية الشرعية و التي كان يتم التعامل و الحكم بها في محاكم مصر حتى أواسط القرن التاسع عشر، و إلا سيضطر إلى إدخال قوانين نابوليون الفرنسية إلى البلاد و استبدالها بالقوانين الشرعية، أجابه الطهطاوي أنه لن يفعل شيئاً يمس الشريعة، لأنه طوال عمره كان مسلماً و حج البيت و لا يرضى أنه في نهاية عمره أن يموت كافرا …!!!

هكذا إذن كان الباب الذي دخلت منه القوانين الغربية السارية حتى الآن، و المتناقضه مع الكثير من قوانين الشريعة الإسلامية.

۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞

و ظلت المعركة دائرة حتى الحرب العالمية الأولى، و ما تلاها أثناء ثورة 1919 الشعبية، التي أتت بحزب الوفد كقوةٍ شعبية لا يضاهيها أحد، و ما تلا ذلك من حِراكٍ فكري و سياسيٍ كبير، أعطى للحياة الثقافية المصرية دفعةً إلى الأمام.

في عشرينات القرن العشرين، وقعت حوادثٌ كبرى غيرت من وجه الدولة المصرية إلى حدٍ كبير، ففيها أُعلِنت مصر مملكةً مستقلة، و أصبح حاكمها ملكاً، و أُلغيت الخلافة العثمانية في تركيا على يد أتاتورك، مما أشعل معركة من أجل وراثة تلك الخلافة في مصر و العراق، و ظهور كتاب الشيخ على عبد الرازق “الخلافة و أصول الحكم” و كتاب طه حسين “الشعر الجاهلي”، و الجدل الكبير الذي صاحبهما، و مقتل السير لي ستاك في السودان، و انسحاب الجيش المصري من هناك، و ظهور الإذاعات الأهلية، و إزدياد أعداد طلبة جامعة القاهرة … و ظلت البلاد عفيه، لا ينالها سوء.

و أتت حقبة الثلاثينات، و مات فؤاد الأول، أول ملك على عرش مصر الحديثة، و وُقِعَت معاهدة 1936، و أتى فاروق الأول – و الأخير، و اندلعت الحرب العالمية الثانية، و وقفت مصر على الحياد تحت سيطرة عسكرية بريطانية صلفة، أثمرت حادثاً شهيراً في تاريخنا، 4 فبراير 1942، و نشطت التنظيمات السرية، و ما صاحبها من حركة المقاومة المسلحة ضد الإحتلال في قناة السويس، و ضد الحكومة المصرية ذاتها، في بعض الأحيان، و ظلت البلاد مثمرة ثقافياً و دينياً و بشريا.

ثم أتت حرب فلسطين، و ازداد الغضب في الشارع المصري من نتائج تلك الحرب البائسة، و ما تلاها من أحداث، نعيش نتائجه اليوم، لحظةً بلحظة، و بدأت الخمسينات مع زيادة المقاومة المسلحة في منطقة القناة، و اضطراب مؤسسة الحكم في مصر، و حريق القاهرة، حتى أتى انقلاب 23 يوليو 1952 …

و معه انقلبت معايير البلاد.

۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞

يصف الكثيرون مرحلة الستينات بأنها كانت العصر الذهبي لكل مجالات الحياة في مصر، التعليم و الصحة و الأدب و العلوم و الفنون و السياسة … إلخ، لكنهم لا يدركون حقيقة أن ما كان في هذا العِقْد إنما كان حصاداً لما تم زرعه في " العهد البائد " كما كان يسميه حكام المحروسة آنذاك.

أزعُم أني على صواب حين أقول أن اللبنة الأولى في أي نهضه هي التعليم، و الصحه، و قبلهما تجيء حريات المواطن الأساسية، التعبير و الإنتخاب و الحركة … إلخ، و حين أنظر لمرحلة العهد الملكي كانت تلك الحريات موجودة، لكن أغلب الشعب كان يرزح تحت وطأة الفقر المُدقِع، و التعليم على نطاق محدود، لكن مع هذا كان نتاج تلك المرحلة المتواضعة مذهلاً في الستينات، حينما تبرعمت بذور ما قبل الإنقلاب.

لكن عهد “الثورة” كان منقلبا على ذاته، فأنشأ مسوخاً و أطلقها في كل نواحي البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصبَّ علينا المولى عزَّ و جلَّ سوط عذاب 5 يونيو 1967 …

و فقدنا وقتها قوتنا الناعمة …

۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞

أكثر ما يخيفني هو ما سنجنيه في المستقبل جراء المرحلة المظلمة التي تعيشها مصر الآن، فإن كان من تلقى هزيمة 1967 هو الجيل الذي تربى بين عهدي الملكية و الجمهورية و الذي وصفه العالم الكبير د. فاروق الباز – و كان يصف جيله هو – بالفشل في تحقيق أمانيه و تطلعاته، فالجيل الذي تربى بين الهزيمة و سلام السادات-بيجين يبدو أنه أكثر فشلا، أما الجيل الذي تربى خلال الربع قرنٍ المنصرم، فسيكون هو جيل الفشل المُطلَق.

۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞

 Egypt Flag.Aswan.hamzaz

في يوم الجمعة الماضي 14 مايو 2010، وقعت أربعة من دول حوض النيل على اتفاقية تنص على تقاسم مياه النيل بشكلٍ عادل، و هذه الدول هي إثيوبيا، بوروندي، أوغنده، و تنزانيا، و منحت باقي دول الحوض مهلة لمدة سنة للتوقيع عليها.

مصر تأخذ 55 مليار متر مكعب سنويا، و السودان 18.7 ملياراً آخرين، و هما دولتا المصب، و لهما الحق في الإعتراض على أي مشاريع ريّ على النهر بإمكانها أن تؤثر على حصتيهما.

وقع المحظور، أصبح شريان حياة البلاد مهددا، و إن جدت أمورٌ أخرى، و سَتَجِّد بالتأكيد، فما العمل ؟…

هل ألمح يداً من أيادِ “الصديق” الإسرائيلي ؟… ربما.

هذه نتيجة من نتائج واقعنا المُرّ …

عسى أن يبقى من ماء النيل شيئاً ليخفف مرارته.

۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞

هناك تعليقان (2):

  1. مينفعشي كده ازاي ده يحصل توقيع اتفاقية دول حوض النيل من غير مصر والسودان

    ردحذف
  2. عصر الستينيات فيه اللي يحكي ويقول انه كويس وفيه يقول انه مش كويس يعني لو انت كنت موجود ايام الريس عبدالناصر الله يرحمه كنت تعالي قابلني لو عرفت تعبر عن رايك

    ردحذف

اطرق الباب و اترك رسالة !