18 مارس 2009

قيثارة السماء

Muhammad Rifaat

هل تعرفونه ؟ هل استمعتم يوماً ما قبل الإفطار في رمضان لصوته ؟ أو كل صباح لمدة نصف ساعة بعد السابعة صباحاً على موجات إذاعة القرآن الكريم ؟ هل لفتت أنظاركم تلاواته الرائعة ؟ أمازلتم لا تعرفونه ؟

ارتبطت تلاواته عند المصريين دوماً بشهر رمضان ، حتى أني أحس أن الشهر فعلاً لا يكتمل إلا بتلاواته.

إنه قارئي المفضل بين كل المقرئين ، الذي كبرت على حب صوته العذب الندي ، حقاً أحس بالنداوه و انشراح الصدر عند سماعه ، وكأن القرآن الكريم قد أُنزل على صدر النبي صلى الله عليه و سلم و قرأه الشيخ من فم النبي الكريم مباشرةً ، فياله من صوت.

أتحدث هنا عن الشيخ محمد رفعت رحمه الله.

هذا الفذ له طريقه لا يضاهيها حتى الآن إلا إثنين فقط تقريباً ، يبدأ القراءة بصوت خفيض عميق و يعلو بعد فترة بسيطه ، ليس بالصوت العالِ أو الجعجاع ، لكنه صوت ملائكي  ينتقل من قراءة إلى أخرى بسلاسة و جمال و لا تشعر معها بأي نفور أو سرحان ، صوته يتملكك و لا يتركك إلا مع نهاية التلاوة التي تتمنى لو أنها دامت لفترة أطول.

لقبوه بعدة ألقاب ، منها : قيثارة السماء ، الصوت الملائكي ، سوط عذاب و صوت رحمه ، كروان الإذاعة ، الصوت الذهبي … و غيرها .

وُلِد الشيخ محمد رفعت ذو الإسم المركب في حي "المغربلين" بالدرب الأحمر بالقاهرة يوم الإثنين (9-5-1882) و قبل الإحتلال البريطاني بحوالي أربعة أشهر ، لمحمود رفعت الضابط في البوليس المصري الذي ترقّى من درجة جندي - آنذاك - حتى وصل إلى رتبة ضابط، وحينها انتقل إلى السكن في منزل آخر في "درب الأغوات"، بشارع "محمد علي".

كان الشيخ "محمد رفعت" مُبصرًا  حين وُلِد و حتى سن سنتين ، إلا أنه أصيب بمرض كُفّ فيه بصره ، فقد كان جميل الشكل عند ولادته فحسده الناس – تحديداً يقال أن امرأة رأته ، وقالت عنه أن عيناه تقولان أنه ابن ملوك - وفي اليوم التالي استيقظ الطفل وهو يصرخ من شدة الألم – فالعين حق .

إذن … لقد هاجمه المرض في إحدى عينيه ، لكن الإهمال في العلاج أثر عليها وعلى عينه الأخرى فضعف بصره شيئاً فشيئاً حتى فقدت إحداهما القدرة على الإبصار وظلت الأخرى ضعيفة إلا أنه كان يرى بها بعض الشيء وظل كذلك حتى عام 1936 و بينما كان يقرأ سورة الكهف بمسجد سيدي جابر بالإسكندرية احتشد الناس بالمسجد على غير العادة والتفوا حوله بعد صلاة الجمعة ليعانقونه ويقبلونه وبينما هم كذلك حاول أحدهم أن يصل إليه وسط التفاف الناس حوله ليقبله فطالت أصابع يده تلك العين عن غير قصد ففقأها وفقد الشيخ بصره تماماً بعدها.

بعدما بلغ الشيخ الخامسة من عمره ألحقه أبوه "محمود بك" بكُتّاب مسجد فاضل باشا بـ"درب الجماميز" بالسيدة زينب لخدمة القرآن الكريم ، فأتم حفظ القرآن وتجويده قبل العاشرة ، وكان شيخه ومحفظه يحبه كثيرا لإتقانه الحفظ والتلاوة بصوت شجي فعلمه التجويد وأعطاه شهادة إجادة حفظ القرآن وتجويده قبل بلوغه السادسة عشر من عمره وكتب فيها : "أنه وبعد أن قرأ علينا الشيخ محمد رفعت القرآن الكريم تلاوةً وترتيلاً ومجوداً ومجزءا فقد منحته الإعتراف بأهليته لترتيل القرآن وتجويده."

أدركت الوفاة والده - مأمور قسم الخليفة في تلك الفترة - فوجد الفتى ذي التسع سنوات نفسه يتيماً و عائلاً لأسرته ، فلجأ إلى القرآن الكريم يعتصم به ، ولا يرتزق منه ، وأصبح يرتِّل القرآن الكريم كل يوم خميس في المسجد المواجه لمكتب فاضل باشا وكان يُسمى باسمه أي مسجد فاضل ، حتى عُيِّن في سن الخامسة عشرة قارئًا للسورة يوم الجمعة بنفس المسجد ، فذاع صيته وبدأ المشتاقون لسماع صوته يتوافدون من كل مكان ، فكانت ساحة المسجد والطرقات تضيق بالمصلين ليستمعوا إلى الصوت الملائكي ، وكانت تحدث حالات من الوجد و الإغماء من شدة التأثر بصوته الفريد – يتبين سماعها في تسجيلاته - وظلَّ يقرأ القرآن ويرتله في هذا المسجد قرابة الثلاثين عامًا ، وفاءً منه للمسجد الذي بدأ فيه .

لم يكتفِ الشيخ محمد رفعت بموهبته الصوتية الفذَّة، ومشاعره المرهفة في قراءة القرآن ، بل عمق هذا بدراسة علم القراءات و التفاسير ، و اهتم بشراء الكتب ، و دراسة الموسيقى الرقيقة و المقامات الموسيقية ، فدرس موسيقى "بتهوفن" و "موتسارت" و "فاجنر" ، و كان يحتفظ بالعديد من الأوبريتات والسيمفونيات العالمية في مكتبته .

أيضاً امتاز الشيخ بعفة النفس و الزهد في الحياة و سيظهر هذا جلياً أيام مرضه ، وكأنه جاء من رحم الغيب لخدمة القرآن و فقط ، لم يكن طامعًا في المال لاهثًا خلفه ، وإنما كان ذا مبدأ ونفس كريمة ، فكانت مقولته : "إن سادن القرآن لا يمكن أبدًا أن يُهان أو يُدان" ، ضابطةً لمسار حياته ، فقد عرضت عليه محطات الإذاعة الأهلية – قبل إنشاء الإذاعة المصرية - أن تذيع له بعض آيات الذكر الحكيم ، فرفض وقال : "إن وقار القرآن لا يتماشى مع الأغاني الخليعة التي تذيعها إذاعاتكم".

في عام 1934 و بينما كان الشيخ يقرأ في أحد المآتم إذ استمع إليه الأمير "محمد على" مصادفةً فأُعجب به وبصوته وأسلوب تلاوته فأرسل إليه و طلب منه أن يفتتح الإذاعة الأهلية بتلاوة القرآن الكريم ، فاستفتى الشيخ علماء الأزهر وهيئة كبار العلماء عما إذا كانت إذاعة القرآن حلالا أم حراما ؟ فجاءت فتواهم بأنها حلال ، وكان يخشى أن يستمع الناس إلى القرآن وهم في الحانات والملاهي .

وفعلاً اِفتُتحت الإذاعة المصرية يوم الخميس (31-5-1934) و كان الشيخ أول من افتتحها بصوته العذب ، وقرأ : "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا".

كان ذلك فتحا كبيرا على الشيخ "محمد رفعت" إذ أنه كان أول قارىء بالإذاعة الأهلية  التي كانت تسمي بـ" دار الإذاعة المصرية " …

و انساب صوت الشيخ من الإذاعة المصرية عبر الأثير نديًّا خاشعًا ، وكأنه يَروي آذانًا وقلوبًا عطشى إلى سماع آيّ القرآن ، وكأنها تُقْرأ لأول مرة ، فلَمَع اسم الشيخ أكثر و أكثر، وعشقت الملايين صوته ، بل أسلم البعض عندما سمع هذا الصوت الجميل .

ففي ذات يوم التقى "علي خليل" - شيخ الإذاعيين ، وكان بصحبته ضابطاً بسلاح الجو الملكي البريطاني - بالشيخ ، فأخبره "علي خليل" أن هذا الضابط سمع صوته في "كندا"، فجاء إلى القاهرة ليرى الشيخ رفعت ، ثم أسلم هذا الضابط بعد ذلك .

 

إلى هذا الحد …! كانت تلاواته مؤثرة و تمس القلوب فتحيلها إلى سيرتها الأولى ؟

أثناء الحرب العالمية الثانية تنافست إذاعات العالم الكبرى مثل إذاعات برلين و لندن و باريس لتستهل افتتاحها و برامجها العربية بصوت الشيخ محمد رفعت  لتستميل قلوب الشعوب الناطقة بالعربية و المسلمين إلى جانبها – و كلنا نعلم الإشاعة التي كانت بمصر وقت الحرب عن إسلام أدولف هتلر الذي أصبح الحاج محمد أو عبد الله هتلر - إلا أنه لم يكن يعبأ بالمال والثراء ، وأبى أن يتكسَّب بالقرآن .

فقد عرض عليه مهراجا هندي يُدعى نظام حيدر آباد سنة 1935 أن يأتي للهند مقابل خمسة عشر ألف جنيه مصري ، فاعتذر خصوصاً بعد أن علم بنية المهراجا إحتجازه و عدم السماح له بالعودة لمصر ، فوسّط الخارجية المصرية و ضاعف المهراجا المبلغ إلى خمسه و أربعين ألف جنيه ، فأصرَّ الشيخ على اعتذاره وصاح فيهم غاضبًا : "أنا لا أبحث عن المال أبداً ، فإن الدنيا كلها عَرَضٌ زائل".

أما المطرب "محمد عبد الوهاب" فقد عرض عليه أن يسجِّل له القرآن الكريم كاملاً مقابل أي أجر يطلبه ، فاعتذر الشيخ خوفًا من أن يمسَّ أسطوانة القرآن سكران أو جُنُب . Muhammad Rifaat 2

هناك حكاية عن إبنة أحد أصدقائه الذي أوصاه برعايتها في لحظاته الأخيرة و في اليوم التالي توفاه الله ، وفي أحد المآتم بعدها بيوم أو يومين كان الشيخ يقرأ سورة الضحى ، فلما وصل إلى الآية الكريمة: "فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَر" ارتفع صوته بالبكاء وانهمرت الدموع من عينيه كأنها سيل لأنه كان يتيماً و يعرف مرارته ؛ و لأنه بالأساس تذكر وصية صديقه ، فخصص مبلغًا من المال لهذه الفتاة  و كفلها حتى كبرت وتزوجت.

كان بكَّاءً بطبعه ، يقرأ على الهواء مرتين أسبوعيًّا يومي الإثنين و الجمعة من خلال الإذاعة مدة 45 دقيقة في كل مرة ، والدموع تنهمر من عينيه.

شاء الله أن يُصاب الشيخ محمد رفعت بعدة أمراض لاحقته وجعلته يلزم الفراش ، و في فترات الشفاء يعاود القراءة ، وكان أخرها سرطان الحنجرة الذي أصابه في العام 1943 و كانت أكثر أعراضه المتعبه هي الفُواق (الزغطة) - التي كانت تستمر معه عدة ساعات  و كان هذا المرض يُعرف قديماً بهذا الإسم – و مع الأيام منعه المرض من تلاوة القرآن ، بل ومن الكلام أيضًا حيث إشتد عليه المرض في السنوات الثمانية الأخيرة من عمره و منع الصوت الملائكي النقي من الخروج ، ومنذ ذلك الوقت حُرم الناس من صوته وعلى الرغم من ذلك ظل يذهب إلى الإذاعة يومين في الأسبوع كعادته و ذلك حتى عام 1948 حيث اشتد عليه المرض الذي كان يهاجمه أغلب ساعات يومه دون إنقطاع حتى أنها هاجمته مرة أثناء قراءته بالإذاعة فأمتنع عن الذهاب إلى الإذاعة .

كانت الإذاعة المصرية قد سجلت عدة أشرطه للشيخ قبل اشتداد المرض عليه ، ثم توالت الأمراض عليه ، فأصيب بضغط الدم ، والتهاب رئوي حاد .

و في يوليو عام 1949 كانت مجلة المصور قد نشرت خبرا مصورا عن مرض الشيخ  فأعلن الأستاذ "أحمد الصاوي محمد" عن فتح إكتتاب لعلاج الشيخ وجمع التبرعات فأثار ذلك الخبر حزن محبيه والمعجبين بصوته وتم جمع ما يزيد عن خمسين ألف جنيها وعندما علم الشيخ  بذلك قال : "أنا مستور والحمد لله ولست في الحالة التي تستوجب جمع هذه المبالغ وإذا كان على العلاج فالأطباء يعالجونني ولكنهم لم يستطيعوا وقف هذا المرض ومنعه كما ان هذه المبالغ أصحابها أولى بها مني فهم الفقراء والمحبين لصوتي حقا ولكني والحمد لله لست في حاجة إلى كل هذا المال" .

و اعتذر عن قبول هذه التبرعات ، فكتب الأستاذ "أحمد الصاوي" بجريدة الأهرام يثني على عفة الشيخ  و أخلاقه وتأثير القرآن عليه في سمو نفسه و علوها .

أجر الشيخ طابقين من بيته الذي كان يسكن فيه في حي "البغالة" بالسيدة زينب ، وقطعة أرض أخرى ؛ لينفق على مرضه .

عندئذ توسط الشيخ "أبو العنين شعيشع" لدى "الدسوقي أباظة" وزير الأوقاف آنذاك ، فقرَّر له معاشًا شهريًّا .

وشاء الله عز و جل أن تكون وفاة الشيخ محمد رفعت في يوم الإثنين 9 مايو  1950، نفس التاريخ الذي وُلد فيه ، عن ثمانية وستين عامًا قضاها في رحاب القرآن الكريم .

 

قالوا عنه …

  • محمد السيد المويلحي صاحب المقامات Muhammad Rifaat 3الشهير ، في مجلة الرسالة : "سيد قراء هذا الزمن، موسيقيّ بفطرته وطبيعته ، إنه يزجي إلى نفوسنا أرفع أنواعها وأقدس وأزهى ألوانها ، وإنه بصوته فقط يأسرنا ويسحرنا دون أن يحتاج إلى أوركسترا".
  • أنيس منصور : "ولا يزال المرحوم الشيخ رفعت أجمل الأصوات وأروعها، وسر جمال وجلال صوت الشيخ رفعت أنه فريد في معدنه ، وأن هذا الصوت قادر على أن يرفعك إلى مستوى الآيات ومعانيها ، ثم إنه ليس كمثل أي صوت آخر".
  • محمد عبد الوهاب : "صوت الشيخ محمد رفعت بأنه ملائكي يأتي من السماء لأول مرة" .
  • وسئل الكاتب الكبير "محمود السعدني" عن سر تفرد الشيخ محمد رفعت فقال: "كان ممتلئًا تصديقًا وإيمانًا بما يقرأ" .
  • علي خليل شيخ الإذاعيين : "إنه كان هادئ النفس، تحس وأنت جالس معه أن الرجل مستمتع بحياته وكأنه في جنة الخلد، كان كيانًا ملائكيًّا، ترى في وجهه الصفاء والنقاء والطمأنينة والإيمان الخالص للخالق، وكأنه ليس من أهل الأرض".
  • نعته الإذاعة المصرية عند وفاته إلى المستمعين بقولها : "أيها المسلمون ، فقدنا اليوم عَلَمًا من أعلام الإسلام".
  • أما الإذاعة السورية فجاء النعي على لسان المفتي حيث قال : "لقد مات المقرئ الذي وهب صوته للإسلام" .

رحم الله الشيخ و رزقنا و إياه الجنه .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اطرق الباب و اترك رسالة !