05 مارس 2009

مواسم الكآبة السنوية

Depressed2

بين كل حين وحين تنتابني … بل تجتاحني موجات متتالية من الكآبة و اللامبالاة تجاه كل شيء ، أفقد حينها بوصلة الإتجاهات التي ولسوء حظي العكر لا أملك سواها ، و أجدني أترنح يمنة و يسارا ، لا أدري إلى أين أنا ذاهب أو من أين أتيت .

أعتبر تلك اللحظات مواسم سنوية - كالبيات الشتوي بالنسبة للدببة ، فأنا كالدب القطبي الكسول - والتي من كثرتها أصبحت كل السنة مواسم ، أي أن كل أيامي تقريباً أضحت كئيبة …

ليست تلك الكأبة ذاتية الإنبعاث ، بل توجد عوامل خارجية تستفز جهاز الكآبة – المتحفز دوماً – ليبدأ العمل و تدور العجلة و أغرق في المستنقع الكريه الذي صنعته بيديّ .

أحد تلك العوامل هي حال الوطن المحروت ، كلما أنظر حولي أجد مآسي و حكايا أحياناً تخفف من مأساتي و أحياناً أخرى تزيدها حتى يخيل إلىّ أني ( هاطق ) ، مصر تعيش أزهى عصور الضعف و الفقر و سوء الإدارة و الفساد والتخلف و الرجعية و … و لغاية بكرة الصبح هانقعد نعد في كل مزايا هذه الفترة .

العامل الثاني فلسطين + العراق + لبنان + السودان + أفغانستان + الصومال + …. هذه الدول أصبح اسمها مرتبطاً بالكوارث ، و أظن أن مصر إن كانت في حالتها الطبيعية ، فلن يسوء حال هذه الدول التي أعتبرها من وجهة نظري المتواضعة مجالاً حيوياً لمصر .

إن تحدثت من وجهة النظر الشوفينية ستقول مالنا و مال هذه البلاد ؟ إهتمامنا بالآخرين هو سبب تراجعنا و تخلفنا ، كفاية عليهم سنين عبد الناصر …

لكني أقول من وجهة نظري - الغبية في نظر البعض - أن من يقول بانكفاء مصر على ذاتها سيكفل لها التقدم و الرخاء ، هو أبله وعبيط … لأن مصر ليست لنا فقط ، فمصر كانت وعلى مدى الزمان هي الحامية لكل المحيط حولها ، هي بيضة الدين و الصخرة التي يتحطم عليها كل أوهام و أحلام و تطلعات الغزاة منذ أيام الفراعنة وحتى في عصور الظلمات التي تلت ، وحتى أيام حكم الدولة الإسلامية ، مصر حدودها في وسط آسيا حيث أفغانستان و أواسط أفريقيا حيث منابع النيل و غرب أفريقيا حيث المغرب العزيز و شمالاً حيث القوقاز .

Egypt & Mideast

ليست نظرة إستعمارية ، لكني أتحدث عن بلاد الإسلام و قلبها ، ليخبرني أحد النبهاء إن تخلى القلب عن تغذية الأطراف فماذا سيحدث ؟

ستموت الاطراف واحداً تلو الأخر حتى يحين الدور على القلب ذاته ، ساعتها لن ينفع القلب أي شيء ، سيدفن حتى و لو مازال ينبض بالحياة مع الجسد الميت .

مصر عندما ضعفت صارت ذيلاً  وتركت الرأس ، لم يعد هناك أي دور لها على الإطلاق سوى المضي مع الركبان أو ركوب الموجة ، و لماذا ضعفت مصر ؟

ضعفت عندما تخلى الشعب المصري عن ذاته الحقيقية و تلبس بذاتِ أخرى لا يعرفها ، عندما أصبح الشعب المصري مغترباً في وطنه غريباً في داره ( الجالية المصرية في مصر ) عندما ترك المصريون عجلة القيادة طوعاً عنهم لحفنة العسكر التي حكمت مصر و دجنت الشعب و أدخلته الحظيرة ، فصاروا يخافون على أنفسهم و على حياتهم ، بدرجة لم يعرفونها أثناء مواجهة الحملة الفرنسية أو الغزو الإنجليزي الذي أصبح إحتلالاً لمدة سبعين عاما ، المجتمع كانت به ديناميكية أكثر و حراك أكبر ، كان الشيوخ و العلماء كبار رجال البلد و صغارها و أرباب المهن كلها لهم دور ، حتى ولو كان ضئيلاً لكنه كان لبنه في صرح المجتمع الحي، لكن الوضع تغير و أصبح المجتمع يعيش على المسكنات في غرفة الإنعاش و خضعت البلاد للجلادين و أصبحت مصر تعيش حالة من الإحتلال الداخلي .

Makram

أذكر أني قرأت في إحدى المرات – أظن في كتاب لـ عبد العظيم رمضان عن حادث 4 فبراير 1942 و ما بعده – أن مكرم عبيد باشا و في إحدى الجلسات لمناقشة موازنة العام الجديد حين كان وزيراً للمالية بمجلس الشيوخ عام 1944 قال “ على المصريين أن يتخلصوا من الإستعمار المصري قبل الإستعمار الأجنبي “ .

حسناً لقد تخلصنا من الإستعمار الأجنبي ولم نتخلص من الإستعمار الوطني و الذي تحول بمرور الوقت إلى ( إستحمار ) ، نعم … الناس تعلم علم اليقين أنهم مستحمرون و أن الحكومة تستحمرهم ، و الحكومة نفسها تعلم أن الناس يعلمون أنها تستحمرهم ، لكن على الرغم من تلك الحقيقة العارية جداً ، فإن الناس لا تفعل شيئاً لتغيير الوضع .

يتبع….

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اطرق الباب و اترك رسالة !